الفلسفة ليست كلها نظرية معرفة، ولكن ليس بالإمكان فهمها إلا من خلالها؛ لأن نظريات المعرفة هي التي تحدد اتجاهات الفلاسفة المختلفة، في محاولاتهم لتفسير مغلقات الوجود كما هو موجود ومعطى بكل ثقله. ومن هذا المنطلق الواضح والمتميز بضرورة التعريف بالفلسفات المختلفة، من خلال اختلاف نظريات المعرفة عند أصحابها انطلقت …دعوة الباحث للقارئ للدخول من خلال صفحات هذا الكتاب في تاريخ الفلسفة سوياً وذلك بهدف الدخول في كل تاريخ الحضارة، فخارج هذا المسار لن تفهم الحضارة الإنسانية، وأكثر من ذلك لن تتقدم، والأخطر من هذا هو: أن الأمم التي تعزل نفسها عن هذا المسار لن تكون هامشية لا تساهم في الحضارة فقط، بل لن تفهمها أيضاً.
وأما منهجية الباحث فقد جاءت على الشكل التالي: تناول كل فلسفة جاءت ضمن إطار البحث في هذا الكتاب، من خلال إسهامها بتقدم نظرية المعرفة الإنسانية، وحول هذه النقطة تتضح معالم الفلسفات المختلفة التي سيتناولها الباحث لاحقاً، والتي انتقاها فقط من بين الأصول التقليدية للفلسفة من قبل “سقراط” حتى الأفلاطونية أي الأفلاطونية المحدثة، مروراً بالفلسفة العربية المؤثرة فقد بالفلسفات القرن وسطية، إلى عصر النهضة وما أفرزه من فلسفات أدت إلى خطين رئيسيين هما: خط الفلسفات التجريبية وما أديا إليه من فلسفات معاصرة، من “وجودية وبنيوية” و”برغماتية” تمتد عبر العالم اليوم، إزاء “التحولية المعرفية” التي تتجه بشكل خافت لكنه واعد وقوي نحو فلسفة المصير مع مطلع القرن الواحد والعشرين. رتّب الباحث مادة بحثه هذا ضمن أحد عشر باباً. كان الباب الأول حول بدايات الفلسفة قبل السقراطية وطروحاتها المعرفية. وبحث الباب الثاني في الفلسفة السقراطية. وأما الباب الثالث فقد دار حول الفلسفة في بيئتها “الروائية” الجديدة، سواء في “روما” حيث الواقعية المتطرفة بالرواقية، أو في مستعمرتها “الإسكندرية” حيث تطرفت العقلانية بمثالية الأفلاطونية المحدثة. وبيّن الفصل الرابع لماذا دخلت الفلسفة عصر الظلام، وكيف حاول العرب إخراجها منه.
أما الباب الخامس من هذا الكتاب فقد تمّ تكريسه للأسس المعرفية لفلسفة القرون الوسطى الغربية، وخاصة عند “الأكويني”. وفي الباب السادس تمّ رصد تحول الفلسفة نحو العقل العلمي، وخاصة في فلسفات العلوم من “كوبرنيكس” حتى “هوبز”. وتمّ عرض الفلسفات التجريبية في الفصل السابع من “جون لوك” حتى “رسل” وهذه تمّ للباحث مقابلتها بالفلسفات العقلانية في الباب الثامن من خلال “ديكارت، سبينوزا، ليبنز، بورك، فولتير، الموسوعيين”. أما الباب التاسع فقد خصصه الباحث لـ”كانط” التجريبي العقلاني، الذي أخرج الفلسفة من رقادها الدوغماطي بين المذاهب ففتح الباب لعقلانيات متباينة. هذه العقلانيات تمّ تعدادها وعرضها في الباب العاشر من خلال أسس الوجودية بين: “شوبنهور ونيتشه، وباقي الفلاسفة الوجوديين كهيدغر وجاسبر وسارتر” فالبنيوية. وأما الفصل الحادي عشر تُرِكَ للبحث في العقلانيات التي أساءت للفلسفة بمثاليتها أو ماديته-المسرفة، كما سمّت نفسها وإن كانت هذه التسمية خاطئة في أساسها. وذلك عبر “هيغل” وسفاسطته “فيخته وشلنج” من جهة، و”ماركس” وسفاسطته “انفلز ولينين وتروتسكي وستالين وغيرهم” من جهة أخرى.
وفي الخاتمة شرح الباحث التحولية ضد التطورية المعرفية مع “بوبر” التي تحتاج إلى وضعها في سياق فلسفة المصير، كي تخرج الناس من التأثر بالمناخ الفكري والفلسفي والبرغماتي المحلي، في أنانيته الضيقة، نحو رحابة إدراك خطر وواقعية وأهمية التحول الحتمي في كل شيء، نحو مستقبل الإنسانية ومصيرها المجهول.


