تبقى “دولة الأمويين” مثيرة للاهتمام والنقاش، على الرغم من الدراسات التي أحاطت بها، عرضاً أو تفصيلاً، بقدر ما كان لقيامها، من تأثير على حركة التاريخ التي اتخذت مثاراً آخر، ما كان يحدث لو لا تلك القوة “الخفية” التي تربصت بالدولة الإسلامية وأحبطت مشروعها في عشرينات القرن الهجري الأول، غير …أن القليل جداً من دارسي هذه الحقبة الهامة، تنبهوا إلى المناخ الفكري غير الودي إزاء هذه “الدولة” الذي ساد القرن الثالث الهجري، حيث بدأ يتضح ما يسميه البعض بـ”التكوين” في علم التاريخ الإسلامي.
وكان “فان فلوتن” في طليعة الذين توقفوا عند هذه المسألة المنهجية وذلك في كتابه الذي ترجم إلى اللغة العربية منذ نصف قرن تحت عنوان “السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات في عهد بني أمية”. وهذا الكتاب لا يزال منذ قرن تقريباً، يحتل مكانة خاصة في الكتابات الاستشراقية، لا سيما في مجال الإحاطة بمشاكل النظام الأموي وملاحقة المعضلات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سبباً في سقوطه وانهياره، وقد دار محور هذا الكتاب حول أبحاث رئيسية ثلاثة محددة في العنوان كما يلي: الأول: السيطرة العربية، ويضم مناقشات لقضايا اقتصادية واجتماعية من العصر الأموي، تبدأ بقضية الفتوحات ونظام الضرائب وأوضاع الموالي، وتنتهي بحركة الإصلاح القومي التي قام بها الخليفة عمر بن عبد العزيز، واستمرت مع ثورة الحارث بن سريج وراء نهر جيحون. الثاني: الشيعة أو الشيعية، ويبحث في المعارضة السياسية في ذلك العصر، حيث انعقدت ريادتها للحزب الشيعي بأجنحته المختلفة، الثالث: المعتقدات المهدية أو المهودية، وهو البحث الأكثر تعقيداً والذي يحتاج أكثر من غيره إلى إعادة نظر والى تقويم جديد، حيث أن طروحات جدية ظهرت مؤخراً، متناقضة مع طرح (فلوتن) الذي يعتقد بتأثير الفكر اليهودي على نظرية “المهدي” الإسلامية من خلال أسطورة “عبد الله بن سبأ” المعروفة في المصادر العربية القديمة، والمؤلف لا ينفك عبر بحوثه الثلاثة، متقصياً العوامل التي أدت إلى سقوط الدولة الأموية، أو ما يسميه، البحث في جذور التشيع الخراساني لبيت النبي.
وهذا الكتاب الذي نقلب صفحاته، يتعرض في قسمه الأول للقضايا المحورية التي وجهت مسار المعارضة في العهد الأموي، أما القسم الثاني فيضم النص العربي لكتاب فلوتن “السيطرة العربية”. وقد شاء المترجم إعادة ترجمة محافظة على روحية الانسجام في الدراسة، فلعل في محاولته هذه من الفائدة بعض ما يصبوا إليه، نحو منهج علمي متوازن خارج دائرة الاستشراق المتسيس والنص التاريخي “المقدس”.


